السيد الطباطبائي
177
الإنسان والعقيدة
وكيف كان ، فأصحاب الأعراف هم المهيمنون على المكانين ، المشرفون على الفريقين ، وليست هذه الكثبان كثبان رمل من مادة أرضنا ، فقد قال سبحانه في وصف الأرض : لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً « 1 » ، بل إنّما هو مقامهم المرتفع عن ساحة أهل الجمع فهم غير محضرين ، فهم المخلصون الذين حفظهم اللّه سبحانه من صعقة النفخ ، وفزع اليوم ومقامهم الحجاب ، وفيه الرحمة التي وسعت كلّ شيء ، والنّار التي أحاط بأهلها سرادقها وهو المستشعر بقوله تعالى : فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ « 2 » . ولم يقل سبحانه : « فأذّن بينهم مؤذّن » - كما لا يخفى - وهم الحاكمون يوم القيامة . قال سبحانه : وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ * أَ هؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ « 3 » ، وهي الجنّة - كما مرّ - وكما يدلّ عليه قوله : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ « 4 » ، وهم أصحاب الروح المأذون لهم في الكلام والقول الصواب ، في قوله سبحانه : يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً « 5 » . وقد فصّلنا القول في معنى الروح وإيمانه وعلمه في رسالة الإنسان قبل الدنيا في قوله سبحانه : وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ « 6 » ، فهم - أعني أصحاب الأعراف - هم المعنيّون ظاهرا بقوله سبحانه :
--> ( 1 ) سورة طه : الآية 107 . ( 2 ) سورة الأعراف : الآية 44 . ( 3 ) سورة الأعراف : الآيتان 48 و 49 . ( 4 ) سورة الأعراف : الآية 49 . ( 5 ) سورة النبأ : الآية 38 . ( 6 ) سورة الشورى : الآية 52 .